المبشر بن فاتك
174
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال بعض الملوك لسقراط : اعمل لي كتابا فتكون فيه جمل من حكمتك أرجع إليها . فقال له : هيهات ! الحكمة أعز من أن تخدمها إلا بنفسك . وحكى عنه أنه قال : لا تحرصوا على القنية فيشتد فقركم ، واستهينوا [ 36 ا ] بالموت لئلّا تموتوا ، وأميتوا أنفسكم لتخلدوا ، والزموا العدل تلزمكم النجاة . وقال : العدل أمان النفس من الموبقات . وقال : الحزن للمبتلين حتى يتخلصوا من البلاء أفضل من الفرح لأهل السلامة . وكان يقول : الإقلال « 1 » للعاقل حصن من الرذائل وطريق للجاهل إليها . وكان يقول : راحة الحكماء في وجود الحق ، وراحة السفهاء في وجود الباطل . وكان يقول : ضادّوا الشهوات بالغضب ، فإن من غضب على نفسه من تناول المساوئ شغل عنها ، وذلّلوا الغضب بالصمت . وكان يقول : ضالة الجاهل غير موجودة ، وضالة العاقل معه حيثما سلك . وقال : المعجب بنفسه يرى فيها ما هو أجلّ منها مع ضعف قوته فيظهر فرحه . وقال : من استعمل العدل قلّ حزنه واشتاق إليه كل شئ . وقال « 2 » : ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض . وقال : اللذة خناق مرسل . وقال : طالب الدنيا لا يخلو من الحزن في حالين : حزن على ما فاته كيف لم ينله ، وحزن على ما ناله كيف يخاف سلبه ؛ وإن من سلبه أيقن بتركه لغيره بعد موته فهو مغصوص في جميع أحواله . وقال لتلميذ له : أي بنىّ ! اقنع من الدنيا بما بلغك من وقتك من المأكول ، واكتف بما كسر ظمأك من المشروب ، وارض بما سترك من الملبوس ، واستغن بما أكنك من البيوت ، وكن خادما لنفسك يهد قلبك ويستغن عن
--> ( 1 ) أي قلة المال . ( 2 ) ورد في ع ( ص 48 ) .